السيد حيدر الآملي

181

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

أنشأ الخلق إنشاء وابتدأه ابتداء ، يشير إلى كيفيّة إيجاد الخلق على الجملة عن قدرة اللَّه تعالى بعد أن ينبّه على أصل الإيجاد بقوله : فطر الخلائق بقدرته ، فإنّ الباري تعالى لمّا لم يكن مسبوقا بغيره لا جرم صدق الإنشاء منه ، ولمّا لم يكن العالم موجودا قبل وجوده لا جرم صدق ابتداؤه له . ( في بيان انّ إيجاد العالم كان بلا تفكّر ولا حركة ) قوله : بلا رويّة أجالها ولا تجربة استفادها ولا حركة أحدثها ولا همامة نفس اضطرب فيها . أقول : لمّا كانت هذه الكيفيّات الأربع من شرائط علوم النّاس وأفعالهم الَّتي لا يمكن حصولها إلَّا بها ، أراد تنزيه اللَّه سبحانه عن أن يكون إيجاده للعالم موقوفا على شيء منها . أمّا الرويّة والفكر فلمّا كانت عبارة عن حركة القوّة المفكّرة في تحصيل مبادئ المطالب والانتقال منها إليها أو عن تلك القوّة أيضا نفسها كان ذلك في حقّ اللَّه تعالى محالا لوجهين : أحدهما انّ القوّة المفكرة من خواصّ نوع الإنسان . الثاني أن فائدتها تحصيل المطالب المجهولة والجهل على اللَّه محال . وأمّا التجربة فلمّا كانت عبارة عن حكم العقل بأمر على أمر بواسطة مشاهدات متكرّرة معدّة لليقين بسبب انضمامه قياس خفيّ إليها ، وهو أنّه لو كان هذا الأمر اتّفاقيّا لما كان دائما ولا أكثريّا ، كان توقف فعل اللَّه تعالى على استفادة الأحكام منها محالا لوجهين : أحدهما أنّها مركّبة من مقتضى الحسّ والعقل ، وذلك أنّ الحسّ بعد مشاهدة وقوع الإسهال مثلا عقيب شرب الدّواء مرّة ومرّة ينتزع العقل منها حكما كلَّيّا بأنّ ذلك الدواء مسهل ، ومعلوم أنّ اجتماع الحسّ والعقل من خواصّ نوع الإنسان . الثاني انّ التجربة إنّما تفيد علما لم يكن ، فالمحتاج إلى التجربة لاستفادة العلم بها